محمد الداوودي

260

طبقات المفسرين ( داودي )

والتحريف ، والتبديل ، وضبط المتون ، والمشكلات من المعاني ، مع الإحاطة بالتواريخ ، والأنساب . وطرّز أكمام فضله بمجالس تذكيره ، الذي تتصدع صم الصخور عند تحذيره ، وتتجمع أشتات العظام النخرة عند تبشيره ، وصغى آذان الحفظة لمجاري نكته ، وتختطف الملائكة لفاظة إشاراته من شفته ، ويخترق حجب السبع الشداد صواعد دعواته ويطفئ أطباق الجحيم سوابق عبراته ، وهو مع ذلك متخلق بأحسن الأخلاق ، متمكن بتواضعه وتودده من الأحداق ، رافل جلابيب أهل الصفا ، مراع لعهود الإسلام « 1 » بحسن الوفا ، مجموع له الأخلاق الحميدة ، ثابت له الحقوق الأكيدة . خلف أباه ببلدته ، في مجالس التدريس ، والنظر ، والتذكر ، وزاد عليه في الخطابة والقبول التام بين الخاص والعام ، وصبر على مكابدة الخصوم اللد ، ومقاومة المعاندين والمخالفين ، ونفق سوق تقواه وورعه عند الملوك والأكابر ، حتى عظموا خدمته وتبركوا به ، وبنصحه ، وكلامه ، وصار قطب قطره ، حشمة ، وحرمة ، وجاها ، ومنزلة ، مستغنيا بكفافه ، وما آتاه اللّه من غير منة مخلوق ، عن التعرض لمنال شيء من الحطام قاصرا همه وأيامه على الإفادة ، ونشر العلم ، مد اللّه في عزيز أنفاسه ، وأبقاه حجة على العلماء . هذا آخر كلام عبد الغافر . قال الحافظ أبو سعيد : أملى والدي رحمه اللّه مائة وأربعين مجلسا ، في غاية الحسن والفوائد ، بجامع مرو ، واعترف له بأنه لم يسبق إلى مثلها ، وصنف تصانيف في الحديث . وكان يملي في مجلس وعظه الأحاديث بأسانيدها ، فاعترض عليه بعض المنازعين ، وقال : محمد السمعانيّ يصعد المنبر ، ويعد الأسامي ، ونحن لا نعرف ، ولعله يضعها في الحال ، وكتب هذا الكلام في رقعة ، وأعطيت له ،

--> ( 1 ) في طبقات الشافعية للسبكي : « لعهود الأسلاف » .